سأل فتى أمّه ذات جمعة، بعدما اعتاد أن ترافقه بضعة خطوات، هو إلى الثانوية، وهي إلى المقبرة:

– تراكم يا أماه ما تصنعون كل صباح جمعة في المقبرة؟

– جمعت الأمّ أهبتها وتحلّت بوشاح الخشوع، بلغة كلّها جد: أقصد بعض حفظة القرآن، الذين يتحلقون حول لحد المرحومة جدتك، فيتلون سورة ياسين، ويختمون بدعاء الرّحمة والمغفرة، فأعطيهم ما تيسّر من نقد ثمّ ينصرّفون غانمين..!

– هنا فاجأ الفتى والدته: نفس الأمر إذن يحدث بالثانوية من الجمعة إلى الجمعة، يجتمع بعض الراشدين، يرددون بعض الأناشيد تزرع فينا حماسا، كان قد انطفأت جذوته بفعل كثرة النّوم، والرّكون إلى اليوتيوب ونكته، ثم ينصرفون، فننصرف بعدهم، لكنّ العملية تتم مجانا، فهل لنا من جزاء؟

– تذكرت الأم “ظهر المهراز”1، والشعارات “الأوطمية”2 التي تصدح بها حناجر الطّلبة المناضلون الأيام ذوات العدد، والمعارك النضالية التي خاضوها لمقاطعة الامتحان، أو لتحسين وجبة غذائية، ولا زالت كلمات ذلك الشعار المزلزل: ” انهض للثورة والثأر، انهض كهبوب الإعصار…”.

لقد كان إعصاراً عصف بكل أحلامها. أما غيرهم فكانوا ينزوون في ركن قصي، بمكتبة الكلّية، أو في مقهى، عاكفون يلتهمون الورق، تصادف أحدهم اليوم بين الحين والحين في إحدى البرامج التلفزية، وقد أصبح كبير الباحثين في مركز “كذا ” للدراسات الاستراتيجية، و آخر تقرأ عن آخر بحوثه حول الذّكاء الاصطناعي، وأصبح مفخرة البلاد ضمن كوكبة من مغاربة العالم النّجباء. وهي تقبع الآن في منزل ورثته عن أبيها بالمدينة العتيقة المهدد بالانهيار، رفقة زوجها المعروف لدى كل الطلبة الذين مروا بنفس الكلية، باعتباره كان مكلفاً باستقبالهم في أوّل يوم لولوجهم رحاب الكلية العامر، واستغلالها فرصة للاستقطاب إلى فصيله الطّلابي. فخرجت الكلمات بين شفتيها رخوة حزينة كئيبة.

– إنّهم يا ولدي، يعلمونكم الكرامة، وهي أهم بكثير من الرياضيات والفيزياء واللغات و… كما يقولون. انتفض الإبن ملتفتا نحو أمه في استنكار، لكنّه أحجم عن مزيد كلام، وأطفأت دمعة منسكبة على خدها لهيب نار فورانه، مدركاً أنّ الحقيقة تكمن أحيانا في مخالفة المنطوق، وليس في موافقته..!

1: مركّب جامعي بفاس.

2: الاتحاد الوطني لطلبة المغرب أ.و.ط.م.

بقلم: الزكري عبد الرؤوف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending