الكاتب: صلاح بوسريف (المغرب)
 
 

كَكُل ما مضى من سنواتٍ، الوضعُ الثَّقافيّ ما يزال هو نفسُه، قد تحدث أشياء هُنا وهُناك، لكنها تبقى معزولة، لا تدخل ضمن أفق يمكن أن يمسّ قطاعات واسعة من الناس، أو أن يكون تداوُل المنتوج الثَّقافيّ واسعاً، أو يصل إلى عدد لا بأس به من الناس، السبب، هو غياب سياسة ثقافيَّة، وما يجري هو «أنشطة»، نتهي، وتختفي بمجرد انتهاء النشاط، ولا أثر يبقى وراء هذا النشاط، أو يكون ما تتواخَّاهُ بعض برامج هذه الأنشطة واللقاءات التي باتت دعواتٍ تقصد الأشخاص للحضور، حتَّى لا يبقى اللقاء دون حضور، أو الحضُور فيه يكون باهِتاً، كما صار يجري في جُلّ اللقاءات التي تكون بنفس الوجوه، والسُّحْنات، وبنفس طريقة التنظيم، والبرمجة، وبربط الثقافي بالاحتفاليّ، فقط، لضمان حضور من يهُمُّهم الاحتفال بالدرجة الأولى.

مجال النشر والتوزيع، ودعم الكتاب، واقتناء الإصدارات الوطنية من قِبَل المُؤسسات المعنية بالكتاب، مثل مكتبات المدارس، إذا كانت هُناك مكتبات في المدارس، ومكتبات الجامعات، والمكتبة الوطنية، ومكتبات الجماعات الترابيَّة، بما فيها من عشوائيَّة، وسوء تدبير، لا تعمل بطريقة مُنظَّمَة ومُنْتَظِمَة، وميزانياتها التي تكون للكُتُب، تذهب إلى أشياء أخرى، يعتبرها من يُدِيرون هذه المُؤسسات أهم من اقتناء كُتُبٍ، لا يرون أنَّها مهمة، ويتذرَّعون بكون الناس لا يقرؤون، وهذه من أسباب وَهَنِ الوضع الثَّقافي العام الذي، رغم ذلك، فهو ينتعش، في كُلّ الحالات، بمن مازالوا يقرؤون، ومَنِ القراءةُ عندهم شرطَ وُجودٍ، بل هي الماء والهواء.
هزيلٌ دَعْم الكُتُب، وفيه تمييز، ليس في قيمة الكُتُب، بل بين الناشرين، أو بين الكُتَّاب، وهذا أمر غير مقبول، خصوصاً حين يكون في لجنة الدعم من ليسوا مُؤهلين للحكم على الكُتُب، وعلى الكُتَّاب، أو نفوسُهم فيها مرض تُجاه زيدٍ أو عمرو من الكُتَّاب، وهذا ما يجري حتَّى في جائزة المغرب للكتاب، وفي اللجنة العلمية لمعرض الكتاب، وفي دعم المسرح والسينما، وهَلمّ جرّاً، كما يُقال.
لنحسب بالأصابع، ما الذي فعلناه خلال هذا العام الذي هو في ساعاته الأخيرة، ما المساحات التي كسبناها من القُرَّاء، ومقتني الكُتُب، ومن يحضرون الندوات والقراءات واللقاءات، غير من ندعوهم، ونتوسَّل حضورَهم، وطبعاً، فالاستثناء قليل، بل هزيل، لأنَّ الجائحة إذا ضربت أرضاً، فهي تمسّ جميع من فيها.
ما الحلّ، إذن، وكيف يمكن تغيير هذا الوضع الذي هو وضعٌ، الإعلامُ فيه يقدم لنا صورة عن اللقاءات، فيما الواقع غير هذا، وهذا ما نجد الحكومات والدول تقوم به، واليوم، مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الجمعيات والمُؤسسات الثَّقافية، والأفراد يقومون بدور الدِّعاية لِما يجري، وما جرى، وكأنَّ هُناك نتيجة وصلنا إليها من هذه اللقاءات، والتجمُّعات الثقافية.

يبقى العمل الفرديّ، كما كان عبر تاريخ الثَّقافة والفن والإبداع، هو ما يُضيء العتمات التي تحيق بنا، وتُحِيط بواقعنا، في ظِلّ حكومات، العمل الثَّقافيّ عندها، هو شيء زائد، ولا ينبغي أن يصرفوا فيه، أو عليه المال، وما يكون غيرهذا، من فُرْجَة، وفولكلور، هُوَ الأهَمّ، دون أن يعرف من يُدِيرون قطاع الثَّقافة، أنَّ هذا الاستهتار بالثَّقافة وبالمثقفين، ثمنُه باهظ، وسينعكس، على الأجيال القادمة سَلْباً، كما هو اليومَ، نتائجه نراها في سياسيين لا يقرؤون، ولا يعرفون ما تعنيه السينما، ولا المسرح، ولا الفنون التشكيلية، ولا الشِّعْر، ولا الرواية، ويكتفون في معرض الكتاب، بدعوة من يكونون جزءاً من وعيهم السطحيّ، ومن رؤيتهم للفن والثَّقافة، وهي رؤية بلا أفق، وبلا نتيجة وأثر، يكتفون بالأرقام، وكأنَّ الثَّقافة رِهان خيل، أو سباقُ جمال في صحراء قَاحِلَة مُوحِشَة.

 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending